أنصار التنمية - الجزء 2
thumbnail

يعرض العدد الثاني من منشور أنصار التنمية الأعمال الاثنى عشر الفائزة في المسابقة السنوية الثانية لسرد القصص التي ينظمها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في صورة جريدة سهلة القراءة.

للمزيد

المساعدة القانونية تعين المستضعفين في دارفور على حماية حقوقهم


مسيرة سيدات وفتيات في الفاشر، شمال دارفور، تحت شعار "16 يوماً من النشاط لمناهضة العنف القائم على نوع الجنس". صور الأمم المتحدة / ألبرت غونزاليز فارانم

تستمر معاناة السيدات والفتيات من الانعدام الأمني المنتشر في منطقة دارفور التي مزقتها الصراعات. عائشة البالغة من العمر 13 عاماً، انتهت طفولتها عندما تعرضت للاغتصاب الوحشي على يد رجل بالغ في طريقها إلى سوق قرية قارسيلا الصغيرة التي تقع حالياً في وسط دارفور، غرب دارفور سابقاً.

 

ولكن للأسف، حالة عائشة ليست الوحيدة، ففي ظل عدم امتلاك أجهزة إنفاذ القانون في دارفور القدرات والحوافز الكافية لحفظ حقوق الإنسان وحمايته، يظل السكان المنكوبون في دارفور عُرضَة للعنف التعسفي والحرمان من الأمان على النفس أو على الممتلكات المادية أو على الحقوق القانونية. تواجه السيدات والفتيات تهديدات يومية بالعنف الجنسي.

 

 في ضوء غياب الإنفاذ الكافي والمُلبي للقانون في المنطقة، تعزف النساء -على وجه الخصوص- عن المطالبة بتحقيق العدالة والإبلاغ عن المهاجمين والمتحرشين. ويتضح من قصة عائشة السبب وراء ذلك. فقد لجأت عائلة عائشة بقضيتها إلى المحكمة المحلية في القرية في تحدٍّ منها للسلوكيات النمطية والمحظورات الاجتماعية السائدة، إلا أن المحكمة تجاهلت قضية الاغتصاب وأدانت الفتاة بالزنا وقضت عليها بالجلد مائة جلدة على أن يكون التنفيذ بعد أن تضع حملها.

 

صُدِمَت العائلة من حكم المحكمة ولجأت إلى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للحصول على مساندته. وفي سبتمبر/أيلول 2004، أطلق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان برنامجاً طموحاً لسيادة القانون في دارفور بتمويلٍ يبلغ 15.3 مليون دولار مقدم من وزارة التنمية الدولية البريطانية والسويد والنرويج وهولندا، ويهدف هذا المشروع إلى نشر الوعي بحقوق الإنسان وسيادة القانون بين السكان الأكثر ضعفاً، وتمكين أصحاب المصلحة المحليين من المشاركة الفعالة في منع انتهاك المعايير الدولية ووضع حد للانتهاكات الحالية، ودعم قدرات المؤسسات الرسمية وغير الرسمية المنوطة بتحقيق سيادة القانون واستعادة الثقة فيها، وبناء ثقافة سيادة القانون والعدالة في المنطقة تدريجياً.

 

وكجزءٍ من برنامج سيادة القانون، يقدم برنامج الأمم المتحدة الدعم للمجموعات الحقوقية المحلية لتعزيز حماية العدالة والحصول عليها على مستوى المجتمع في المنطقة. وقد نجح برنامج الأمم المتحدة منذ بداية تفعيل برنامج سيادة القانون في دعم إنشاء ثمانية مراكز للمساعدة القانونية، وإنشاء شبكة للمساعدة القانونية تضم أكثر من 60 محامياً من دارفور. ويقوم عددٌ من المتطوعين القانونيين من خلال مراكز المساعدة القانونية بتقديم الاستشارات القانونية وخدمات الوساطة المجانية على مستوى المجتمع المحلي.

 

أما الحالات التي تحتاج إلى مساعدة قانونية إضافية فيمكن إحالتها إلى محامين من شبكة المساعدة القانونية الذين يقدمون الاستشارات والتمثيل القانوني المجاني للسكان المضارين بدعمٍ من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان. وعملياً، يقوم مسؤولو سيادة القانون لدى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي باستمرار بمتابعة عملية إحالة الدعاوى القضائية وجودة التمثيل القضائي وتقديم الاستشارة الفنية والتوجيه بحسب المطلوب.

 

وفي حالة عائشة، قام محامو المساعدة القانونية لدى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالاستئناف أمام محكمة زالنجي العامة، مدعين بأن عمر الفتاة وحقيقة تعرضها للإكراه ينبغي أن يعكسا قرار محكمة قارسيلا أو يبطلاه على أقل تقدير. إلا أن المحكمة العامة أيَّدَت الحكم الصادر من المحكمة المحلية. ولكن في إصرار منهم على دعم الصراع الذي تخوضه الفتاة إحقاقاً للعدالة، لجأ المحامون إلى محكمة استئناف ولاية غرب درافور الواقعة في عاصمة ولاية الجنينة، حيث أيدت المحكمة الحكم السابق أيضاً، لكنها خففته إلى 10 جلدات.

 

وبما أن الحكم لا يتوافق مع المعايير الوطنية والدولية المتعلقة بحقوق الطفل، فقد توجَّه محامو المساعدة القانونية إلى المحكمة العليا السودانية، وهي أعلى محكمة استئناف في البلد. وبعد مداولات مطولة، أصدر قضاة المحكمة حكماً تاريخياً، حيث ألغوا جميع الأحكام السابقة وحكموا ببراءة الفتاة من جميع التهم المنسوبة إليها.

 

وقالت المحكمة العليا بجمهورية السودان في حيثيات حكمها إنها لم توافق على قرار محكمة الاستئناف بأن علامات البلوغ، بما فيها حمل المتهمة، هي التي تشكل أساساً للمسؤولية الجنائية وليس سنها، وهو ما يتعارض مع نصوص قانون الطفل الصادر في سنة 2004. وبعد تأكيد أن العامل الحاسم هو العمر لا البلوغ، يصبح زعم المتهمة بأنها اغتُصِبَت كافياً -وفقاً للشريعة الإسلامية- لرفع أي حكم عنها.

 

وعلى الرغم من أن الحكم لم يشمل تجريم مرتكب الواقعة، فإنه غيَّرَ من مفهوم المسؤولية الجنائية للحَدَث في السودان وفتح الباب على مصراعيه أمام إعادة المحاكمة إذا رغبت أسرة الضحية في ذلك، كما أعطى الأمل لنساءٍ وفتياتٍ كثيرات يواجهن الاغتصاب والعنف الجنسي بصفة يومية.

 

يظل تطبيق العدالة تحدياً لقطاعٍ كبير من سكان دارفور بسبب عدم الثقة العميقة لدى السكان المحليين في المؤسسات الموكلة بضمان سلامتهم وأمنهم، والمضايقات والعنف المستمر، والنقص الحاد في الإمكانات، والإجراءات البيروقراطية المعقدة، والتكلفة المرتفعة والفساد المتفشي. وبالنظر إلى ذلك، تظل مبادرات المساعدة القانونية مثل المبادرة التي يدعمها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان عنصراً مهماً في دعم التنمية في المنطقة. فالحاجة إلى خدمات المساعدة القانونية في تزايد.

 

يقول كريستوفر ليكر مدير البرنامج الإقليمي للمشروع: "لقد شهدنا على مدار السنين زيادة مطردة في طلب أفراد المجتمع الحصول على دعمٍ قانوني". ومنذ عام 2007، قامت مراكز المساعدة القانونية بتقديم الاستشارات القانونية وخدمات الوساطة في أكثر من 3500 دعوى وقدَّم محامو المساعدة القانونية مساعدة وتمثيلاً قانونياً مجانياً في أكثر من 1070 حالة. إضافة إلى ذلك، نجحنا في الوصول إلى أكثر من 15 ألف من أفراد المجتمع سنوياً من خلال حملات التوعية المستهدفة لكفالة حقوق الإنسان.

 

إن دعم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في مجال تقديم المساعدة القانونية يُحسِّن من قدرات الأفراد المضارين أمثال عائشة على التعامل مع هذه القيود، ويزيد في النهاية من احتمالات تطبيق العدالة بطريقة سريعة ومنصفة وغير متحيزة.