التنمية المحلية تساعد في إعادة إدماج المهاجرين المغربيين العائدين


عبد المجيد بابخويا يطعم الأغنام المحلية في لاشورية صورة: نورا مبخوتي


إن ما شهده العقد المنصرم من زيادة في التقلبات المناخية وحدة في موجات الجفاف ونقص في موارد المياه يدفع الأسر من واحة قصر العشورية والواحات المجاورة في الجماعة القروية في فزنا بإقليم الرشيدية تافيلالت بالمغرب إلى هجر الأرض التي ظلوا يعيشون عليها لسنواتٍ طويلة.

أبرز الملامح

  • استعادة أو إنشاء 1000 متر من أنظمة الري التقليدية المسماة بـ"الخطارات" في المنطقة
  • تم إنشاء 3 تعاونيات على الأقل في المنطقة على غرار تجربة التعاونية المدنية
  • أدرت أنشطة التعاونية دخلاً لأعضائها النشطين وعددهم 53 عضواً يتراوح ما بين 300 دولار أمريكي و700 دولار أمريكي في الشهر.
  • استفادت نحو 132 عائلة من نموذج "التعاونية المدنية".

هذه الظواهر المستفحلة تفرض تهديدات خطيرة على الموائل التي يعيش فيها أولئك البشر في هذه المنطقة وعلى سُبُل معيشتهم.

يؤدي تدهور الأراضي وفقدان التنوع البيولوجي وتراجع احتمالات الزراعة ورعي الماشية إلى زيادة الهجرة والتعجيل بهجر الأنشطة التقليدية ويضخم مخاطر التصحُّر.

عبد الماجد باباقويا، 38 عاماً، أحد سكان قصر العشورية الأصليين عاش في إسبانيا لسبع سنوات كعامل مهاجر، قضاها في أوضاع رهيبة وغير مستقرة لاسيما في ظل الانكماش الاقتصادي الذي تواجهه إسبانيا.

رغم عمله الدؤوب إلا أن أحلامه بحياة أفضل لم تتحقق ولم يجمع إلا مدخراتٍ قليلة للمستقبل.

قرر عبد الماجد وغيره كثيرون من عائلة باباقويا العودة إلى وطنهم. فعاد ليستوطن في الواحة مع زوجته وطفليه وسط عشيرة عائلته. استطاع عبد الماجد العثور على وظيفة كراعٍ لحظيرة أغنام "التعاونية المدنية".

وقد أنشأت عائلة باباقويا "التعاونية المدنية" بعد موجات الجفاف الحاد الذي شهدته في عام 2005 بغرض دعم الابتكار والتجارب في مجال الوسائل الزراعية المناسبة والحفاظ على التراث المحلي للواحة. كان الهدف يتمثل في تحسين الأوضاع المعيشية واجتذاب السكان المحليين الذين هاجروا بحثاً عن لقمة عيشهم للعودة. واليوم أصبح يوجد في مدنية 53 عضواً نشطاً، وأصبحت تقدم خدماتها المباشرة لـ261 شخصاً يعيشون على مساحة تزيد على الـ40 هكتاراً في منطقة الواحة.

تتعاون مديرية التخطيط الإقليمي مع برنامج التكيف المجتمعي التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي - أحد عناصر برنامج واحات تافيلالت - منذ عام 2008 من أجل دعم "التعاونية المدنية" في فزنا.

يدعم البرنامج إقامة مجموعة مختلفة من المشاريع التجريبية التي تركز على إيجاد الوظائف وتحسين معيشة الفقراء من سكان الواحة. ويقوم المشروع انطلاقاً من تركيزه على التنمية المستدامة بتشجيع الوسائل الزراعية المعدَّلة بيئياً، والمحافظة على الماء، واستخدام مصادر للطاقة البديلة، وتطوير منتجات تقليدية، والسياحة البيئية.

في "مزرعة التنمية المستدامة المتكاملة" التابعة للتعاونية التي تغطي مساحة 15 هكتاراً، تقوم التعاونية بإنتاج منتجات زراعية محلية ذات قيمة عالية وتستعين في ذلك بطرق زراعية تحافظ على المياه وتستخدم مصادر للطاقة المتجددة في ضخ الماء في أنظمة الري بالتنقيط التي تحقق وفراً مستداماً في مياه الري ارتفع من 0.03 إلى 0.09 متر مكعب لكل متر مربع من الأرض المزروعة.

تتمتع الواحة بشمسٍ مشرقة لنحو 3000-3500 ساعة في السنة، حيث تستخدم في إنتاج 2650 كيلووات من الطاقة في المتوسط. أنشأ المشروع نظامين للطاقة النظيفة؛ أحدهما يستخدم الطاقة الشمسية في ضخ الماء، والآخر يستخدم طاقة الرياح في توليد الكهرباء وضخ الماء.

استهدف المشروع أيضاً نشر الممارسات الزراعية التي تحسِّن من التنوع البيولوجي الزراعي مع التركيز على النباتات التي تتميز بالمرونة تجاه التغيُّر المناخي وتستهلك كمية أقل من الماء ولها قيمة اقتصادية عالية مثل أشجار الفاكهة والكمون والنباتات العطرية والطبية وزراعة الأعلاف المقاومة للجفاف لحيوانات الرعي.

قامت التعاونية بكل ما سبق من خلال المشاركة القوية من جانب المجتمع المحلي. وتبنت نهجاً شاملاً يقوم على المشاركة في التنمية المحلية يستطيع من خلاله رجال المجتمع ونساؤه إقامة علاقات حقيقية تتسم بالثقة مع ممثليهم المنتخبين وصياغة ميثاقهم العام والتعبير عن أولويات احتياجاتهم واهتماماتهم ورسم خطط التنمية على أساس هذه المواثيق.

أقامت التعاونية نموذجاً ناجحاً للتنمية المحلية يجمع مؤسسات الحكم المحلي بآليات المجتمع لتمثيل المواطنين وتوصيل صوتهم. ويجري حالياً تكرار هذا النموذج على نطاق واسع في مختلف بيئات الواحات في شتى أنحاء البلد، تشجيعاً على إعادة توطين العائدين من العمالة المهاجرة.

أدت الأزمة المالية العالمية إلى تقليص فرص التوظيف للعمالة المغربية العائدة التي تجد في تحسن الإنتاجية الزراعية وإحياء أنماط الحياة التقليدية حافزاً قوياً يدفعها إلى العودة إلى أرض الوطن.

 ويقول عبد الماجد مؤكداً: "كثيرون مثلي يعودون لتوفير حياة كريمة ومستقبل معقول لأبنائهم. نريد أن نحافظ على تراثنا، وفي نفس الوقت أن نثريه برؤى وأفكار جديدة اكتسبناها من حياتنا بالخارج... قد ينتهي المشروع قريباً، ولكننا سنقوم بأفضل أنشطة التنمية ومناهجها التي تعلمناها للحفاظ على حياتنا وحياة أبنائنا لأجيالٍ قادمة".