بارقة أمل في مستقبل أفضل

تخطيط التنمية التشاركية يتيح خدمات فعالة الاستجابة للمجتمعات المحلية السورية الأشد فقراً


شاحنة الوهاب تسلم الخبز اليومي للسكان المحليين الصورة : برنامج الأمم المتحدة الإنمائي سوريا

الرقة... تلك المحافظة المزدهرة قديماً والتي كانت تحتضن إحدى عواصم هارون الرشيد، ذلك الخليفة العباسي الشهير... باتت تعصف بها أزمة طاحنة في السنوات الأخيرة.

الملامح الرئيسية

  • تقع الرقة شمال سوريا على مساحة 19616 كيلومتراً مربعاً.
  • يبلغ تعداد سكان محافظة الرقة 921 ألف نسمة (تقديرات مكتب التعداد لعام 2010)
  • بمعدل 21.2 تتصدر محافظة الرقة قائمة تضم 14 محافظة تعاني من الفقر
  • تبلغ نسبة الأمية بين سكانها 29.1 في المائة، وهي نسبة تتجاوز ضِعف المتوسط الوطني البالغ 14.2 في المائة.

وحتى قبل اندلاع الأزمة في مارس/ آذار 2011، كان سكان الرقة يعانون كثيرا بحسب مؤشرات التنمية ذات المعدلات الأسوأ في سوريا. فبمعدل قدره 21.2 تتصدر محافظة الرقة قائمة تضم 14 محافظة تعاني من الفقر. وتبلغ نسبة الأمية بين سكانها 29.1 في المائة، وهي النسبة الأعلى على المستوى الوطني، إذ تتجاوز ضِعف المتوسط الوطني البالغ 14.2 في المائة.

وتدل مؤشراتها الصحية ذات المعدلات الأسوأ على مستوى البلاد أنه من غير المتوقع أن يصل 7.3 في المائة من سكانها إلى عمر 40 عاماً، وأن واحداً (1) من كل أربعة (4) من أطفالها يعاني من نقص الوزن (22.7 في المائة).   ومع الأحداث الأخيرة، لم يزد هذا المشهد المرير إلا سوءاً.

إلا أنه لا تزال هناك بارقة أمل وسط هذا الخضم الرهيب.

"م إ إ" فلاح يبلغ من العمر 53 من صهاريج الوهاب، تلك القرية الصغيرة التي تبعد عن أقرب مركز تجاري - مدينة الثورة - يشعر بالسعادة، إذ استطاع أن يوفر الخبز يومياً لأطفاله. فلكونه عنصراً أساسياً في جميع الوجبات اليومية، يعتبر الخبز بالنسبة للسوريين ضرورة من الضرورات.

ويجلب البائعون الطعام والضرورات الأخرى من وقت لآخر إلى قرية صهاريج الوهاب والقرى المجاورة لكنهم يطالبون بأثمان فادحة؛ وقد كانت أسعارهم مرتفعة إلى الحد الذي لم يستطع معه "م" وسكان قريته الآخرون أن يتحملوها.

واليوم، يقود أحد سكان القرية شاحنة صغيرة يومياً إلى مدينة الثورة ليأتي بالخبز الطازج والمواد الغذائية الأخرى ويوزعها على جميع الأسر المعيشية في القرية. وحصلت بلدية صهاريج الوهاب على الشاحنة في إطار مشروع "تطبيق الحوكمة من أجل التنمية المحلية" التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

ويعمل هذا المشروع البالغ قيمته 1.2 مليون دولار أمريكي ويطبق أساليب تشاركية عديدة على تشجيع السكان المحليين والأطراف الفاعلة الرئيسية وأصحاب المصلحة على تحديد الاحتياجات والأولويات والوسائل المستدامة التي تهدف إلى تلبية هذه الاحتياجات ذات الأولوية. ولم يكن من المستطاع إنتاج الخبز محلياً بسبب ندرة الوقود والكهرباء والأخشاب في هذا المجتمع المحلي الذي يقطن هذه البيئة الصحراوية القاحلة؛ وكان هذا المجتمع المحلي قد حدد أن الشاحنة من الحلول ذات الأولوية.

يعلق "م" قائلاً: "إن الأسعار التي طالب بها البائعون الذين كانوا يأتوننا من خارج القرية جعلت الخبز ترفاً رغم أنه في واقع الأمر غذاؤنا الأساسي. وقد كنت أضطر لسنوات إلى السفر مسافة 40 كيلومتراً تقريباً بحثاً عن خبز أستطيع دفع ثمنه".

في مثل هذه الأوقات العصيبة التي يتعرض فيها "م" وإخوانه من أهل قريته للمعاناة بسبب ذلك الصراع المشتعل الذي لا يهدأ له سعير، تعتبر تلبية احتياجات الأهالي من الغذاء الأساسي غوثاً ما بعده غوث. "لا تستطيع أن تتخيل كم غير هذا الحل البسيط من حياتي؛  فأنا الآن لست قادراً على ادخار المال ودفع سعر السوق العادي للخبز فحسب بل أستطيع أيضاً أن أدخر وقتي وجهدي لأعمال أكثر إنتاجية".

لم يكن لأهل قرية صهاريج الوهاب قبل هذا المشروع دور فعال قط في اقتراح أو المشاركة في خطط التنمية المحلية، أو التعبير عن احتياجاتهم وأولوياتهم للسلطات المحلية. وكان لابد من تدريبهم أولاً على المفاهيم الأساسية لتخطيط التنمية المحلية التشاركية والحشد المجتمعي.

شارك النساء والشباب والمزارعون والمهنيون من أهل القرية في عملية التخطيط، فأعدوا جميعهم أول خطة تنمية محلية على الإطلاق تعكس الأولويات الحقيقية للتنمية المحلية في صهاريج الوهاب في قطاعات الصحة والتعليم والبيئة والتنمية الاقتصادية المحلية.

وفي جهد مماثل بقرية تل عثمان المجاورة تم الاستقرار على أن إمداد المركز الطبي المحلي بالمعدات والأجهزة والمستلزمات الضرورية لتمكينه من تقديم خدمات رعاية صحية أولية فعالة هو المطلب ذو الأولوية الملحة في هذه القرية.

ورغم الأزمة، فإن النهج التشاركية الشاملة للمشروع ولجان التخطيط التي شارك فيها المواطنون المحليون وشكلها المشروع قد صمدت للأحداث وأتاحت آلية طالما احتاجتها هذه المجتمعات المحلية للاستجابة للمتطلبات ذات الأولوية العاجلة والمتغيرة للسكان والمجتمعات المحلية - تحت وطأة صعوبات بالغة.

حينما نتحدث عن أهل قرية صهاريج الوهاب وقرية تل عثمان فإن هذا المشروع قد غرس نبتة أمل لمستقبل هم على يقين من قرب بزوغ فجره؛ وحين يبزغ ذلك الفجر سيكون بوسعهم التخطيط له وإدارته بجهودهم أنفسهم وبإصرار يدفعهم دفعاً إلى استعادة ذلك المجد التليد للرقة.